الشيخ محمد رشيد رضا

136

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

من السؤال ظهورها كيف كانت ، بل ظهورها بحيثية ايجابها للمساءة ؟ ( قلت ) لتحقيق المنهي عنه كما ستعرفه مع ما فيه من تأكيد النهي وتشديده ، لأن تلك الحيثية هي الموجبة للانتهاء والانزجار لا حيثية ايجابها للمسرة ، ولا حيثية ترددها بين الايجابين ( ان قيل ) الشرطية الثانية ناطقة بأن السؤال عن تلك الأشياء الموجبة للمساءة مستلزم لابدائها البتة كما مر ، فلم تخلف الابداء عن السؤال في مسألة الحج حيث لم يفرض في كل عام ؟ ( قلنا ) لوقوع السؤال قبل ورود النهي ، وما ذكر في الشرطية انما هو السؤال الواقع بعد وروده ، إذ هو الموجب للتغليظ والتشديد ، ولا تخلف فيه ( ان قيل ) ما ذكرته انما يتمشى فيما إذا كان السؤال عن الأمور المترددة بين الوقوع وعدمه كما ذكر من التكاليف الشاقة . وأما إذا كان عن الأمور الواقعة قبله فلا يكاد يتمشى ، لان ما يتعلق به الابداء هو الذي وقع في نفس الأمر ولا مرد له ، سواء كان السؤال قبل النهي أو بعده ، وقد يكون الواقع ما يوجب المسرة كما في مسألة عبد اللّه بن حذافة ، فيكون هو الذي يتعلق به الابداء لا غيره ، فيتعين التخلف حتما ( قلنا ) لا احتمال للتخلف فضلا عن التعين ، فان المنهي عنه في الحقيقة انما هو السؤال عن الأشياء الموجبة للمساءة الواقعة في نفس الامر قبل السؤال ، كسؤال من قال : أين أبي ؟ لا عما يعمها وغيرها مما ليس بواقع لكنه محتمل للوقوع عند المكلفين حتى يلزم التخلف في صورة عدم الوقوع . اه وحاصل ما ذهب اليه أن المراد من الآية نهي المؤمنين عن السؤال عما يعلمون أن الجواب عنه يسوءهم من الاخبار والاحكام دون ما يعملون انه يسرهم أو يكون محتملا للمسرة والمساءة - وهذا النوع من السؤال قلما يقع من أحد - وأن من سأل عن شيء مما يتعلق بالاحكام في زمن نزول القرآن فان الجواب عنه لا يكون الا بالتشديد عقوبة له ولجميع الأمة على إساءة أدبه . وان هذا لمذهب بعيد عن العقل والنقل ، غير منطبق على عموم الرحمة ويسر الشرع ، وقد غفل قائله عفا اللّه عنه عند كتابته عن ذلك فلم يفكر الا في ظواهر مدلول اللفظ . ولا نتوسع في بسط الاعتراض